إسلاميات

حكم الأضحية في المذاهب الأربعة

حكم الأضحية في المذاهب الأربعة

تعدد أقوال العلماء في الحكم على الأضحية هل هي سنة واجبة أم فرض على المسلمين، وفي النقاط التالية توضيح لمناهج المذاهب المختلفة في حكم الأضحية.

القول الأول

الأضحية هي سنة من السنن المؤكدة التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا المنهج هو المنهج الذي نص عليه الجمهور وهم :

  • المالكية في المشهور.
  • الشافعية.
  • الحنابلة.
  • مذهب الظاهرية.
  • إحدى الروايتين عن أبي يوسف.

وقال بهذا المذهب أغلب أهل العلم، وهناك العديد من الأدلة التي وردت في تدعيم صحة هذا الرأي، ومنها ما يلي:

أولا: دلائل من السنة على أن الأضحية سنة موكدة

-عن أمِّ سَلَمةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((إذا دخَلَت العَشْرُ، وأراد أحَدُكم أن يضَحِّيَ؛ فلا يَمَسَّ مِن شَعَرِه وبَشَرِه شيئًا ))، [رواه مسلم]؛ وجه الدلالة في هذا الحديث هي أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علق الأضحية بالإرادة، وإن كانت الأضحية واجبة لأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم.

-عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها: ((أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أمَرَ بكبشٍ أقرَنَ، يطَأُ في سوادٍ، ويَبْرُكُ في سوادٍ، وينظُرُ في سوادٍ؛ فأُتِيَ به ليُضَحِّيَ به، فقال لها: يا عائشةُ، هَلُمِّي المُدْيَةَ. ثم قال: اشْحَذِيها بحَجَرٍ، ففَعَلَتْ: ثمَّ أخَذَها وأخَذَ الكَبْشَ فأضجَعَه، ثم ذبَحَه، ثمَّ قال: باسْمِ اللهِ، اللهُمَّ تقبَّلْ مِن محمَّدٍ وآلِ محمَّدٍ، ومنْ أمَّةِ محمَّدٍ. ثم ضحَّى به)) [رواه مسلم]؛ والشهاد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ضحى بهذه الأضحية عن كل أمته وعن أهله صلى الله عليه وسلم، وهذه الأضحية تجزئ عن كل من لم يقم بالتضحية سواء كان متمكنا من الأضحية أو لم يكن متمكنا.

ثانيا: دلائل من الآثار على أن الأضحية سنة موكدة

-عن حُذيفةَ بنِ أُسَيدٍ، قال: ((لقد رأيتُ أبا بكرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهما وما يُضَحِّيانِ عن أهلِهما؛ خَشْيَةَ أن يُسْتَنَّ بهما، فلمَّا جِئْتُ بلَدَكم هذا حَمَلَني أهلي على الجَفَاءِ بعدَ ما علِمْتُ السُّنَّةَ)).

-قال عِكْرَمةُ: ((كان ابنُ عبَّاسٍ يبعَثُني يومَ الأضحى بدرهمينِ أشتري له لَحْمًا، ويقول: مَن لَقِيتَ فقل: هذه أضْحِيَّةُ ابنِ عبَّاسٍ)).

– عن أبى مسعودٍ الأنصاريِّ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: (إنِّي لأَدَعُ الأضحى وإنِّي لمُوسِرٌ؛ مخافةَ أن يرى جِيراني أنَّه حَتْمٌ عليَّ).

القول الثاني

وهو المذهب القائل بأن الأضحية واجبة على المسلمين، ومن القائلين بهذ المذهب:

  • مذهب أبي حنيفة.
  • إحدى الروايتين عن أحمد.
  • شيخ الإسلام ابن تيمية، وقال: “هو أحد القولين في مذهب مالك، أو ظاهر مذهب مالك”.

واستدل القائلين بوجوب الأضحية بعدد من الأدلة، منها ما يلي:

أولا: دلائل من السنة على أن الأضحية واجبة

حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ، وَلَمْ يُضَحِّ، فَلَا يَقْرَبَنَّ مُصَلَّانَا)، [رواه ابن ماجه] “إسناده حسن”، ولكن حكم عليه بعض من أئمة الحديث بأنه ليس قولا للنبي صلى الله عليه وسلم، بل أنه قول أبي هريرة رضي الله عنه، على سبيل المثال وليس الحصر في الأقوال التي وردت في هذا الحديث ما يلي:

  • قال البيهقي في سننه (9/260) : “بلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: الصحيح عن أبي هريرة أنه موقوف . قال: ورواه جعفر بن ربيعة وغيره عن عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة موقوفاً “.
  • وقال الحافظ ابن حجر : ” أخرجه ابن ماجة وأحمد ورجاله ثقات، لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب . قاله الطحاوي وغيره ، ومع ذلك ليس صريحاً في الإيجاب ” انتهى من “فتح الباري” (12/98) .

حديث أبي رملة عن مخنف بن سليم مرفوعا (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً) [رواه أبو داود (2788) والترمذي (1596) ، وابن ماجة (3125)].

والعتيرة هي الذبيحة التي كانوا يذبحونها في رجب، ولها تسمية أخرى وهي الرجبية، أما عن الحديث فقد ضعفه جمع كبير من أهل العلم رحمهم الله، ويرجع ذلك لجهالة أبي رملة، واسمه عامر، ومن أقوال العلماء في تضعيف هذا الحديث ما يلي:

  • قال الخطابي: ” هذا الحديث ضعيف المخرج ، وأبو رملة مجهول ” انتهى من ” معالم السنن ” (2/226) .
  • وقال الزيلعي : ” وقال عبد الحق: إسناده ضعيف. قال ابن القطان: وعلته الجهل بحال أبي رملة، واسمه عامر، فإنه لا يعرف إلا بهذا يرويه عنه ابن عون” انتهى من ” نصب الراية ” (4/211).

لكن الرأي الأقوى والقائل به أغلب أهل العلم هو أن الأضحية سنة مؤكدة، وهناك أدلة تؤكد وتقوي هذا القول:

1- البراءة الأصلية ، فما دام أنه لم يأت دليل الوجوب السالم من المعارضة ، فإن الأصل عدم الوجوب .

2- فقد صح عن أبي بكر وعمر وغيرهما أنهم كانوا لا يضحون ، كراهية أن يظن الناس وجوبها .

دليل الأضحية من القرآن

ورد الكلام عن الأضحية في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل، ومن هذه المواضع ما يلي:

  • {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام- 162].
  • {لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} [الحج- 28].
  • {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ} [الحج- 34].
  • {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [الحج- 36].
  • { فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)} [الصافات 107:102].

الحكمة من تشريع الأضحية

1- قربة إلى الله عز وجل، والدليل قوله تعالى: {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر:2]، وقال سبحانه وتعالى: {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام:162]، ومعنى كلمة النسك هي التقرب إلى الله عز وجل.

2- فيه إحياء لسنة أبينا إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، إذ أوحى إليه الله -عز وجل- أن يذبح ولده إسماعيل عليه السلام ثم فداه بكبش فذبحه بدلا عنه، قال تعالى: {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات:107].

3- التوسعة على الأهل في يوم العيد.

4- نشر الفرحة والسعادة بين الفقراء والمساكين بسبب ما يتصدق به المضحي عليهم.

5- أن نشكر الله على نعمة بهمية الأنعام التي سخرها لنا سبحانه وتعالى، قال تعالى : {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ} [الحج:36-37].