إسلاميات

هل التلبية سنة أم واجبة

هل التلبية سنة أم واجبة

تعتبر التلبية من السُنن المؤكدة أثناء قضاء مناسك الحج أو العمرة، وهي ليست فرضا، ويستحب أن يلبي المسلم ابتداءََ من وقت إحرامه، ثم يحمد الله كثيرا ويسبحه ويكبره، وتنتهي التلبية حينما يبدأ المسلم في رمي جمرة العقبة وذلك يكون يوم النحر.

تعريف التلبية

التلبية هي من بين شعائر الإسلام القولية، وليست الشعائر الفعلية التي يرددها المسلمون أثناء تأديتهم مناسك الحج أو العمرة، وفي تلك الشعائر أنزل المولى -عز وجل- في محكم تنزيله (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) الحج الآية 32، وفي تلك الآية الكريمة نوضح التالي:

  • تعتبر التلبية شعيرة من شعائر الإسلام التي ينبغي على المسلم عامة تعظيمها وعلى الحاج أو المعتمر خاصة ترديدها.
  • صيغة التلبية هي قول الحاج أو المعتمر (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).
  • سُميت التلبية بهذا الاسم؛ لأن المسلم يلبي فيها نداء الحج، وهو الركن الأخير من أركان الإسلام وفرض عين على كل مسلم ومسلم مقتدر ومقتدرة، كما يلبي فيها أيضا نداء أبي الأنبياء سيدنا إبراهيم عليه السلام الذي نادى به ربه. 

متى تبدأ التلبية ومتى تنتهي؟

اتفق العلماء على بداية وقت التلبية في الحج أو العمرة، ولكن يختلف زمن انتهائها ففي الحج:

  •  أجمع العديد من فقهاء الإسلام أن ترديد نداء التلبية يبدأ بعد أن يُحرم المسلم سواء كان في بيته، أو كان من سكان البيت الحرام، وذلك بعد أن يغتسل، ويتنظف ويصلي ركعتين ثم يرتدي لباس الإحرام، وقيل أن السنة أن يبتهل المسلم فور إحرامه.
  • تنتهي وقت التلبية في موسم الحج عندما يبدأ الحاج في رمي جمرة العقبة يوم النحر،ولا يوجد فرق بين كلا من القارن أو المفرد أو المتمتع بالحج في انتهاء وقت التلبية، وهو ما أجمع عليه العلماء، حيث وُرد في كتب السيرة النبوية أن النبي قد توقف عن ترديد التلبية بعد رميه لجمرة العقبة، فقد أكد علماء الدين أن التحلل من الإحرام يبدأ بعد رمي جمرة التلبية، وأنه ليس هناك معنى للنداء بعدها سوى أنها تتساوى مع باقي الأذكار.
  • أما بالنسبة إلى انتهاء زمن التلبية في العمرة فهو: ينتهي بمجرد أن يبدأ المعتمر في الطواف حول الكعبة المكرمة، وفي ذلك ذهب جمهور العلم من الشافعية والحنابلة والأحناف، وهو رأي السلف أيضا، فحينما يصل المحرم إلى الطواف يتوقف عن التلبية ثم يبدأ بذكر الطواف.

رفع الصوت بالتلبية في الحج والعمرة

من المستحب للرجال فقط أن يرفعوا من أصواتهم بالتكبير سواء في موسم الحج أو العمرة، وذلك باتفاق المذاهب الفقهية الأربعة، أما بالنسبة للمرأة فهي تكبر في سرها وتلبي النداء بالصوت الذي تستطيع وحدها أن تسمعه، وذلك خشية الفتنة.

أقوال العلماء في حكم التلبية

اختلف جمهور الفقهاء في حكم التلبية، واختلفت أقوالهم في حكمها وهي على النحو الآتي:

  • من العلماء من قال أن التلبية سنة مؤكدة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي مستحبة في فعلها فعل النبي ذلك بعد الإحرام، ومن هؤلاء العلماء الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل.
  • من العلماء من أوجب حكم التلبية بداية من الإحرام اقتداءََ بما فعله النبي، وقد ذموا من تركها، ومن هؤلاء العلماء الإمام مالك.
  • أوجبها بعض العلماء ولكن خصها في فعل الحج أو السفر ومن أنصار هذا الرأي الإمام أبو حنيفة.
  • اشترط فقهاء الرأي الرابع التلبية في الإحرام، وجعلوها ركنا من أركانه كارتداء إزار الإحرام وكشف الكتف، وبدونها لا يكتمل الإحرام، وعلى رأس أنصار هذا الرأي الإمام ابن عبد البر.

فضل التلبية

لتلبية نداء الحج أو العمرة ثوابا وأجرا عظيما، كما أن تلبية الحاج تكون في أفضل الأيام عند الله عز وجل وهي العشر الأوائل من شهر ذي الحجة، فضلا عن كونها من السنن النبوية، وفي ذلك يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (ما من مسلم يلبي إلا لبى من عن يمينه أو عن شماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا) رواه الترمذي.

هل هناك عواقب لمن يرفض التلبية أو نسيها؟

أجمع جمهور العلم بأن ليس هناك شيء على من ترك التلبية أثناء تأدية مناسك الحج أو العمرة أو حتى بداية من نية الإحرام، وهذا قول ابن باز رحمه الله عليه في أحد فتواه، وفيما يلي نوضح تفاصيل هذه الفتوى:

  • إذا نسي الحاج أو المعتمر التلبية وهو ناوِ الحج أو العمرة أو أثناء الإحرام، فحكمه كحكم من لبى.
  • يجوز التلبية أثناء الطريق إلى السفر، ويطوف المسلم ببيت الله الحرام، ويسعى بين الصفا والمروة ويقصر الصلاة ويتحلل وينحر مثله مثل أي حاج ومعتمر، فمن نسي التلبية فلا إثم عليه.

صيغة التلبية وحكم زيادتها

وُرد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نوى الإحرام قال: (“لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لاَ شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لاَ شَرِيكَ لَكَ)، وما كان -صلى الله عليه وسلم- يزيد عن تلك الكلمات في صيغة التلبية، إلا أن قد جاء إلينا في بعض كتب السيرة أن هناك بعضاً من الصحابة قد زادوا فوق تلك الكلمات ومنهم عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- قال: “لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ بِيَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ”، وفي ذلك اختلف العلماء، وانقسموا إلى فريقين وفيما يلي نوضح رأي كلا الفريقين :

الفريق الأول

أجاز الزيادة في صيغة التلبية كما فعل عبد الله بن عمر وغيره من الصحابة، وذلك طمعا في زيادة الأجر والثواب من الله -عز وجل-.

الفريق الثاني

وهو من لا يُحبذ الزيادة في التلبية أو الزيادة في أي شيء لم يقم به النبي -صلى الله عليه وسلم-، واعتبروا أن من يزيد فوق النبي من كلمة، فقد اتهم المصطفى -صلى الله عليه وسلم- بالنقصان _ وهو الكامل _ وعدم تأديته للرسالة كاملة، كقول المسلم حينما يحمد الله بعد أن يعطس “الحمد لله رب العالمين” اعتبروا من يفعل ذلك أنه يُعدل على سُنة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وذلك لأنه قد اكتفى فقط بقول “الحمد لله” وفي ذلك يستنكر المرء بقوله هل قول “الحمد لله رب العالمين ” بعد العطس فعل شنيع أو يتصف بالسوء؟ كلا، حاشا للعلماء أن يتفوهوا بذلك، ولكن قد اكتفى النبي بقول “الحمد لله” فقط.

من الجدير بالذكر أن نذكر رد الفريق الأول على الفريق الثاني، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- اكتفى في كثير من الأمور بالقليل منها؛ وذلك حتى لا يشق على أمته التي ستأتي من بعده، والتي سوف تطيعه في عظائم الأمور وصغيرها، وضربوا مثالا رائعا في ذلك وهو أن النبي لم يصلِ صلاة القيام بالمسجد في جماعة إلا مرتين أو ثلاث مرات طوال فترة حياته، خشية منه أن تُفرض في وقت لاحق على أمته، ويصُعب عليهم الأمر.

رد الفريق الثاني على الفريق الأول بأننا لا يجوز التأول على النبي صلى الله عليه وسلم فهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وأن كل أفعال النبي وحركاته وسكناته كانت بحكمة.